السيد علي الطباطبائي
432
رياض المسائل ( ط . ق )
حدها إكذاب نفسه بقول مطلق وما مر من التعليل في كلام الشيخ الراجع حاصلة إلى حرمة الكذب فلا يمكنه التكذيب مع صدقه فعليه بدله أن يخطئ نفسه وهو حسن إن صح التعليل وفيه نظر إذا حاصله ومبناه الفرار من الكذب وهو يحصل بالتورية واعتبارها أقرب إلى النصوص مما ذكره من التصريح بالتخطئة وأنسب بالحكمة المطلوبة للشارع من الستر لما في التصريح بالتخطئة من التعريض بالقذف أيضا فإفساده أكثر من إصلاحه وبهذا صرح جماعة ومنهم الشهيد في الدروس وقال في تضعيفه زيادة على ذلك وبأن اللَّه تعالى سمى القاذف الذي لا يأتي بالشهود كاذبا وتنبه لهذا الفاضل في التحرير فقال بعد ذكر مختاره وقيل يكذب نفسه مطلقا ثم إن كان صادقا ورى باطنا والأول أقرب والثاني مروي وإن كان ليس بعيدا من الصواب لأنه تعالى سمى القاذف كاذبا إذا لم يأت بأربعة شهداء على الإطلاق لأنه كاذب في حكم اللَّه تعالى وإن كان صادقا انتهى ومنه يظهر صحة القول المحكي في كلامه وميله إليه وهو مختار الصدوقين والعماني والشيخ في النهاية والماتن هنا وفي الشرائع والشهيدين في الدروس والمسالك والفاضل المقداد في التنقيح وغيره والظاهر أنه المشهور بين المتأخرين بل المتقدمين أيضا وقد عرفت دعوى ابن زهرة عليه الإجماع ونفى الشيخ الخلاف عنه في الخلاف تأسيا إلى مقتضى المذهب ولكنه صار فيه أيضا إلى مختاره في المبسوط معللا بما مر فيه وقد عرفت ما فيه وبالجملة عبارته ظاهرة في نفي الخلاف الذي هو كإجماع ابن زهرة حجة على اعتبار إكذاب نفسه وظاهره وحقيقته كما اعترف به يقتضي المصير إلى ما عليه الماتن وغيره ونحوهما إطلاق المعتبرة المستفيضة ففي النبوي ص توبة القاذف إكذاب نفسه وفي الصحيح عن المحدود إن تاب تقبل شهادته فقال إذا تاب وتوبته أن يرجع مما قال ويكذب نفسه عند الإمام ع وعند المسلمين فإذا فعل فإن على الإمام أن يقبل شهادته بعد ذلك وفي القريب منه عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته قال يكذب نفسه قلت أرأيت إن أكذب نفسه أتقبل شهادته قال نعم وظاهرها حصول التوبة بمجرد الإكذاب وفيه إشكال بل الظاهر عدمه إلا بعد التوبة والندامة حقيقة كما ذكره بعض المحققين ودل عليه المرسل عن الذي يقذف المحصنات يقبل شهادته بعد الحد إذا تاب قال نعم قلت وما توبته قال يجيء ويكذب نفسه عند الإمام ويقول قد افتريت على فلانة ويتوب مما قال ولعله ظاهر الأصحاب أيضا ويمكن حمل الروايات السابقة عليه بدعوى ورودها مورد الغالب من أن المكذب نفسه يكون في الحقيقة تائبا حقيقة غالبا وظاهر المرسل كالصحيح المتقدم عليه اعتبار كون الإكذاب عند الإمام وبه صرح العماني وجماعة وزاد الأول وعند جماعة من المسلمين ويظهر من الإيضاح والتنقيح والصيمري عدم الخلاف في اعتبار ذلك حيث قالوا وعلى الأقوال كلها لا بد من إيقاع ذلك عند من قذف عنده وعند الحاكم الذي حده فإذا تعذر ففي ملإ من الناس ومرادهم من الأقوال الأقوال المتقدمة في تفسير إكذاب نفسه التي منها ما عليه الماتن وأكثر المتأخرين من تفسيره بمفاده الحقيقي ومنها قول المبسوط والخلاف والسرائر المشار إليه في العبارة بقوله وفيه قول آخر متكلف من الجهات التي مرت مع زيادة عليها نشير إليها هنا وهي استلزامه إطراح النصوص المتقدمة المعتبرة أسانيدها طرا مع عدم الباعث عليه عند الشيخ وأمثاله أصلا عدا التعليل المتقدم وهو على تقدير صحته يقتضي الاقتصار في مخالفتها على صورة صدقه في القذف خاصة لا مع كذبه فيه أيضا ولذا أن الفاضل الموافق لهما من حيث التعليل في الصورة الأولى خالفهما في الصورة الثانية تفاديا من طرح الروايات بالكلية وهو وإن خلص بذلك من هذا الاعتراض إلا أنه وقع فيما هو أمر منه وهو أنه إحداث قول ممنوع منه إذ الأقوال في المسألة التي وصلت إلينا من قدمائنا اثنان كما هو ظاهر العبارة وغيرها ولكن حكى هو في المختلف وولده في الإيضاح وغيرهما من ابن حمزة قولا ثالثا وهو أنه إن كان صادقا قال الكذب حرام ولا أعود إلى مثل ما قلت وأصلح وإن كان كاذبا قال كذبت فيما قلت وهو وإن أشبه التفصيل الذي ذكراه لكن يفترق عنه من وجه آخر كما لا يخفى على من تدبره ولذا جعلاه قولا آخر مقابلا لما اختاراه وهذا القول وإن اشترك مع باقي الأقوال عدا المشهور في الضعف والقصور إلا أنه أقرب إلى النصوص وأبعد عن التعريض بالقذف اللازم من قول الفاضل وولده ووجه ضعفه عدم صراحة قوله والكذب حرام إلى آخر ما ذكره في صورة الصدق في إكذاب نفسه وإنما غايته الظهور الضعيف القريب من الإشعار الغير المتبادر من إكذاب النفس الوارد في النصوص وبالجملة فالمذهب ما عليه المشهور ثم إن ظاهر العبارة ونحوها من عبائر الجماعة كفاية التوبة بمجردها في قبول الشهادة كما هو ظاهر إطلاق النصوص المتقدمة ولكن الآية اشترطت الإصلاح بعد التوبة وفسره الأكثر بالاستمرار عليها ولو ساعة قال فخر الإسلام وهذا المعنى متفق عليه وإنما الخلاف في الزائد عليه وهو إصلاح العمل عليه فقال ابن حمزة يشترط مطلقا أي في الصادق والكاذب ولم يشترطه الشيخ ره في النهاية مطلقا وقال في المبسوط يشترط في الكاذب لا الصادق وهو اختيار ابن إدريس احتج المصنف بأن الاستمرار على التوبة إصلاح والأمر المطلق يكتفى فيه بالمسمى ولم يشترط في الرواية المتقدمة بل علق قبول الشهادة على التوبة وإكذاب نفسه وفيه نظر لحمل المطلق على المقيد مع اتحاد القضية انتهى وظاهره الميل إلى قول ابن حمزة لما ذكره من حمل مطلق الرواية على الآية المقيدة وهو حسن إلا أن الإشكال في تعيين المراد من الإصلاح هل هو إصلاح العمل وإصلاح الحال والنفس يمنعها عن ظهور ما ينافي العدالة لكل وجه فالتبادر للأول والإطلاق للثاني ولعله أظهر لأصالة الإطلاق مع الشك في التبادر المقيد له ببعض الأفراد ومع ذلك أشهر وربما يشير إليه الخبر القريب من الصحيح الذي مر في أول البحث المتضمن لقوله ع إذا تاب ولم يعلم منه إلا خيرا جازت شهادته فتدبر هذا كله في التوبة عن القذف وإما من غيره فينبغي القطع بكفايتها عن إصلاح العمل لعموم التوبة يجب ما قبلها والتائب من الذنب كمن لا ذنب له مع اختصاص الآية المشترطة للإصلاح بتوبة القاذف خاصة نعم إن توقفت على أداء حقوق اللَّه تعالى أو الناس لزمه أداؤها تحصيلا لها وإلا فلا توبة له جدا [ الخامس ارتفاع التهمة ] الخامس ارتفاع التهمة في الشهادة بلا خلاف أجده بل عليه الإجماع في المسالك وغيره والنصوص به مع ذلك مستفيضة كادت تبلغ التواتر بل لعلها متواترة ففي الصحاح عن الذي يرد من الشهود قال فقال الظنين والخصم كما في أحدها وبدل الخصم